ما لم تراه زرقاء اليمامة

Monday, July 13, 2020
يأنس البشريّ بمن يشبهه، ولو كانت فكرة طيّارة تجوب سماءه دون أن يكون لها جذع تستقرّ عليه وتتجذّر به! ولا يلام من كان ملتقطًا لأشباهه، لأننا لو تأمّلنا مليًّا في سلوكه لعلمنا أنّ المرء وإن كان مكتنزًا علمًا وأدبًا فلا بد له من فسحة يمارس بها إنسانيته، يمارس مهارة التدحرج بين الصواب والخطأ، بين ما يمكن وما يستحيل، ولعل أشباهه الملتقطة هذه التي وضعناها تحت المجهر تتم نقصًا يستحيي أن يصرّح به أو ربّما لم يدرك كنهها حتّى ساعته تلك، فتراها تفارقه على هيئة متنكّرة، بعدسة سوداء وشعر مستعار وقبّعة تحجب النّور عن نصف وجهه؛ نعرفه بسيماها من قبل أن ينطق.

البعض؛ يميل لأن يؤول الأمور من نافذته، يطلّ على باحة خلفية جرداء وجدار اسمنتيّ تصطدم به عيني الرائي ويقول "هذه حديقة"، هو يعرف الحدائق طبعًا، لكنّه يعبّر عمّا يودّ أن يراه، ما يحتاجه، ما ينسجه في عقله ويصدّقه.

البعض الآخر؛ يعرف أنّ ما من حديقة هنا، لكنّه يوهمك بها، يزيّنها في عينك، ويستلذّ بتسيير الجموع وفق آرائه -وإن جانب الصواب-؛ ولا يرى حرجًا في ذلك، بل لعلك لو قلت له "أين الحديقة؟" لقال "يبدو أنك تحتاج لزيارة عاجلة لطبيب العيون".

ثلّة أخرى تسمّي الأشياء بغير اسمها وتتفنّن في ابتكار الأسماء على غير هدىً، ترى فناء الدّار رأي العين؛ وتقول هذه بساتين غنّاء! لا لـ"نقص القادرين على التمام" إنّما لأنهم فُطروا على التضخيم، على العدسات المكبّرة خيرًا وشرًّا، وهؤلاء احذرهم أكثر ممّن سبقهم؛ لأنك ولا بد هالك معهم؛ غرقًا أو ظمأً.

جماعة من النّاس في عالمٍ موازٍ يعرفون الأشياء بأضدادها، الحياة في أعينهم تمر من عدسة أسماء التفضيل؛ "أكثر/أفضل/أكبر/أحسن" منشغلون دائمًا بما في أيدي النّاس، محرومون من إبصار ما بين أيديهم، منقبضون ممتعضون أبدًا؛ "جنّته خير من جنّتي"، "أرضه أخصب من أرضي"، "عنده بستان وعندي باحة خلفية" .. هؤلاء يشقى معهم جليسهم، لأنّ من نمّ لك يومًا نمّ بك وإن طال دربه الأخضر.

ومن الجموع قلّة عزيزة؛ كرامٌ نبلاء من نسل الأماجد؛ يرونك من حيث يحبّوا أن يراهم النّاس، يسمّون الأشياء بأسمائها، يذكرون الله على ما فضّل به سواهم، ويشكرونه على ما آتاهم .. هؤلاء هم بساتين الدنيا وزينتها.

---- مخرج ----

لا تلزمنا عين زرقاء اليمامة لنبصر؛ إنّما حسب المرء منّا -ليرى الأشياء بحجمها الطبيعي- أن تنكشف الحجب عن بصيرته، ويبصر بعين قلبه، فاسألوا الله سلامة البصائر لا حدّة الأبصار = النور الذي نهتدي به برحمة الله.

1 comment:

  1. The Creality Ender-3 is an FDM 3D printer that can print layers at a hundred microns. The floor end isn't as smooth as you get with the more expensive printers, however is greater than enough for prototyping and household use. Its sturdy design and its rigidity ensure extra precision and stable performance. The Bowden-style extrusion Heater system makes the extruder lighter providing faster and better prints.

    ReplyDelete

Top