بي عنك .. (في أدب الخلاف والمواساة)

Tuesday, January 2, 2018

قبل أن نشرع في موضوعنا, علينا أن نسلط الضوء على أن حكمة الله قد اقتضت أن يكون النّاس بعقولٍ ومدارك متباينة, تمامًا كما خلقنا شعوبًا وقبائل تتباين ألسنتها وألوانها وأفكارها وتصوّراتها وفق البيئة التي خرجت منها. ولو كان النّاس سواسيةً لا يتمايز بعضهم عن بعض لما تعددت الأحكام والآراء, وما عُمّرت الأرض بشكلها الذي نألفه. إذًا الإختلاف في أصله غريزة فطريّة ولابد منه, ولسنا هنا في صدد تبرئة ساحته, إنّما نحن هنا اليوم لنقف على مايصدر عنه وما ينالنا منه, وكيف نخرج من رحى المعارك هذه بأقل الخسائر (النفسيّة) قبل المادّية.

بداية, متى ماوقفت في منتصف الصورة -أيًا كانت- فأبعادها ولا بدّ قاصرة دونك, لا تكاد تبصر منها إلا على قدر موضع قدمك, وهذا النطاق الضيّق أمر بديهي وطبيعي جدًا فلا تقسو على نفسك. بالمقابل, كلّما ارتفعت بشكل رأسيّ كلّما اتسع المدى أمام ناظريك, وشملت أجزاء الصورة كلّها! .. هذا حالنا مع مشاكلنا دائمًا. لذلك نحن بالعادة أشد حكمة مع مشاكل الآخرين, ونملك مفاتيح حل العقبات التي تنتابهم وبشكل سريع وجذري يتركهم مشدوهين حيال قدراتنا, وما كان ذلك -بعد توفيق الله واتساع التجربة- إلّا أننا نرى الصورة من علوّ مناسب كوننا خارج دائرة الضغط, بينما تجد صاحب الشأن قد تكالبت عليه -صغائر الأمور من المشتتات- ما يضيق معها مجال الرؤية

من هنا جاء دور (الإستشارة) بعد الإستخارة! .. إذ تأنس النفس غالبًا بمن يخفف عنها عبئها إنصاتًا ومواساة -دون طرح حلول- وهو حال النساء بالغالب مع رجالهم- حيث تميل المرأة للفضفضة على سبيل التخفف لا طلبًا للحل, وهو مالا يحسن -غالب الرجال- فهمه إلا من رحم ربّي. وفي أحوال أخرى يكون التخفيف بتوسيع مساحة الحلول المقترحة لفضّ النزاع وهو بيتُ القصيد في تدوينتي هذه, وان كنّا سنعرج على المواساة في مرحلةٍ ما -بإذن الله-.

أما في حالة اللجوء لمن يخفّف عنّا مصابنا بآرائه ومقترحاته, فأنا شخصيًا ممّن يعتنقون مذهبًا أظنّه أجدى وأنفع, وأحبّ أن ألوذ إليه في غالب أموري, لاسيما في مجال العلاقات الإنسانيّة, والعلاقات الحميمية المقرّبة, إذ أنّه أدعى لإستمرار الودّ والإحترام بين الطرفين.

ومذهبي هذا يقتضي عدم اللجوء لأحد تمامًا بشكل واضح وصريح ومباشر, بمعنى: لن تجدني -على الإطلاق- ألجأ لشخص في غمرة الإنفعال وأحكي له مافعله فلان تشفيّا وطلبًا لحلّ أقتص وأنتصر به لنفسي أو أطبقه حرفيًا مسلوبة الإرادة وكأني أحد أحجار الشطرنج يحرّكها النّاس كيفما شاؤوا! بل أميل للبحث وفهم الدوافع الإنسانية بشكل عام حول نقطةٍ ما, أو ربّما أطرح تساؤلًا عامًا عن جزء من المعضلة التي استعصى عليّ فهمها لقلة خبرتي, وصدقًا أرتاح لطريقتي هذه جدًا وأرى في كل مرّة أثرها الطيّب عليّ وعلى سواي .. السؤال الأهم الآن (لم؟) وجوابي أضعه على نقاط:

  • كل شخص بالغالب يغرف من تجربته وماضيه, والذي بلا شك يختلف تمامًا -وإن تشابهت بعض أطرافه- عن قصّتك وحالتك وزمنك, ممّا له بالغ الأثر على النتيجة التي قد لا تكون مناسبة لوضعك الراهن.

  • كطبيعة بشريّة -إن لم نغالب فطرتنا حتّى نلزمها منطقة الحياد- نحن نميل عادةً لمناصرة وتأييد الطرف الأقرب لنا, كنوع من الولاء والإنتماء الفطري من باب الدّعم النفسي. بمعنى: صديقك سيقف في صفّك لأنّك العنصر الأهم في دائرته, ويحاول أن يدرأ عنك الأذى بشتّى الطرق .. بالمقابل, نحن أيًَضا بطبيعتنا -إن لم نربّي أنفسنا على الإنصاف- نميل لمن يمدّنا بالتأييد ويعظّم قيمة (الأنا) فينا, والذي بدوره فيه تشفّي مؤّقت, نفيق منه لاحقًا على حقيقة أن الحياة لا تقف عند أقدامنا, ولا مستندة على أهوائنا! نحن كائنات إجتماعية تأنس بالنّاس, ولا يمكن أن تعيش منفردة إلّا بحالات شاذّة.

  • لعلّ الحدث الذي تظنّه قابل للمشاركة حال إنفعالك, ينفضّ وينقضي على وئام وتفاهم بين الطرفين, لكنّه خالدٌ في صدور أحبابك وغائرٌ فيهم! ما تلبث أن تنكوي بناره إذا طال بك الزمان. لذلك دائمًا أنصح الشركاء (المرتبطين بالميثاق الغليظ) -لا سيما بنات حوّاء- بأن لا ينفثوا كلّ ما أثقلهم في أوعية أهلهم! إلّا في حالة لم يعد للإحترام والتفاهم الناضج بين الطرفين موضع ومكان .. هُنا لابدّ من وقفة جادّة ليحفظ الرجل قدر امرأته, فإمساكُ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان (لايكرمهنّ إلّا كريم, ولا يهينهنّ إلّا لئيم).

  • كل ما يخرج منك في لحظة ضعف عند الشخص غير المناسب قد يكون وبالًا عليك .. لا تسلّم النّاس رمحًا تُدميك.

  • أخيرًا, المواساة المعلّبة والركون إليها ليس -في عيني- إلّا محضُ سذاجة .. فلا تشتكي لتستأنس بحديث مخدّر, بل -إن لم تجد بدّا- فاستفت فيه قلبك, وشاور فيه منطقك من قبل أن تجد نفسك في موقف لا تُحسد عليه, وحيدًا -إلّا من عاقبة أمرك- من كل الأطياف التي ألحّت عليك بمشورة وطرحت عليك رأيًا ومارست عليك وصاية مباشرة أو غير مباشرة .. لذلك, كن أنت الحكم وتحمّل نتائج قراراتك (وحدك), تمامًا كما ستقف بين يدي المولى في يومٍ ما (وحدك).

هل هذا يعني أن لا نلجأ لأحد؟ 
لا طبعًا! إنما تخيّر ما يُقال, ولمن يُقال, ثم احتكم لنفسك التي بين جنبيك التي تدرك أبعادك النفسيّة وما أنت مقبل عليه وماينتج عن قرارك .. كلّ هذا يسبقه (استخارة) دائمًا.

ومادمنا في طور الحديث في هذا الجانب, فأسمحوا لي أن أُشير إلى رسالة وصلتني قبل مدّة واستوقفتني مليًا حتّى أني كتبت ردًا مطولًا ثم أرجأته لأتطرق إليه بتدوينتي هذه:

[ينزع الله الأشياء التي تحبّها منك ولست تُدرك شرّها عليك، حتى لو طحنك انتراعها، يجيء اليوم الذي تحمد الله فيه أنها لم تعُد عالقةً بك]

 أقرّ أنّه نصُّ دافيء ومطمئن وممتنة لمرسله، وإن كان غير مناسب في نظري كون من خلفه لا يملك صورة واضحة عن الحدث, لاسيما وأن ما تحمله الشبكات الإجتماعية لا تُظهر إلا جانبًا ضئيلًا جدًا لا يُستند عليه على الإطلاق .. شكرًا على كل حال, وآمل ألّا تأخذ ردّي بمنحنى شخصي.

عمومًا, أعود لرأيي وأقول: لمَ  نتملّص -دائمًا- من حمل نصيبنا من الشرّ؟ الخيريّة تحتملنا كلّنا، والشرّ كذلك. أقصد, لم إذا أردنا أن نهوّن على أنفسنا فداحة الشيء قلنا (لعل في انصرافها, انصرافُ للشرّ عنك) طيّب لم لا نكون نحن الشرّ المنصرف؟ بغضّ النّظر عن الرسالة -آمل ألّا أُفهم بغير الوجه الذي أردته-.

أتأمّل في عدة تجارب ضمن سياقات متباينة، وأقول نحن نقف دائمًا موقفًا متطرّفًا، إمّا جلد ذات يقلّصنا في أعيننا وينسفنا نسفًا، وإمّا هروب كامل من تحمّل المسؤولية وكأننا معصومين! وأعجب والله! نعرف كيف نبدأ قصننا لكنّنا ننهيها نهاية درامية نقتصّ بها من أنفسنا ومن غايتنا -سواء كانت شيئًا أو شخصًا-.

أولسنا من إختار أن يسلك هذا الطريق متحمّلًا مشقته وعناء السفر؟ أما تقلّبنا في نعيم وجحيم ملء إرادتنا؟ أما كنّا جزءًا من الظلّ والنور؟ لم إذًا لا نكمل التجربة بذات الإرادة الأولى؟ بذات الحياديّة التي سرت في أنفسنا، نحتمل جزءًا من الخطأ الناشيء من قصورنا الفطري الذي لا نملك أمره، تمامًا كما نحتمل الصواب!

نحن نسأل الله تعالى في دعاء الإستخارة إذا كان خيرًا أو شرّا لنا, لم يقف الدعاء على شطر واحد, هناك احتمال للخير والشر, فمن نحن لنفصل الأمر بهذا الشكل؟ .. نحن الخير ونحن الشر, وما قد تراه شرًا بمنظورك قد أجده خير محض, والعكس .. بالتالي لا يمكننا أبدًا أن نجزم بخيريتنا على الإطلاق.

ثمّ أنّي شخصيًا أجد أن اقرارك بسوء غايتك هو اقرار واضح ومباشر منك بقصورك (أنت) وسوء تقديرك واختيارك! .. إذًا الشر نابع منك من قبل أن تكون غايتك شرًا خالص في أصلها! فلا تلم غيرك على ما اقترفته [هذا ان كنت مؤمن تمام الإيمان بسوءه، وليست محض ردة فعل صبيانية تهرب بها من حقيقتك].

ختامًانحتاج أن ندرّب أنفسنا على تحمّل نتائج اختياراتنا، وانصاف الحقّ ولو على أنفسنا من غير تطرّف يلحقنا ضرره مدى العمر. نحتاج أن نعي أنّ كل تجربة كاملة بحلوها ومرّها .. وباقية في لا وعينا تامةٌ تامّة، تخرج على فلتات ألسنتنا وإن طال الزمان, فلنحسن لما هو باقٍ فينا وممتدّ -بتصالحنا معه- ليُحسن إلينا من بعد

شكرًا لكم دائمًا على وقتكم.


ــــــــــــــــــــ
(*) بي عنك: لفظة جنوبيّة أحبّها بمعنى (فدتك نفسي).

6 comments:

  1. تساؤلات عميقة، ومحفزة!!
    <3 لا عدمناك دلال

    ReplyDelete
  2. نقطة حساسة ، حبيت منطقك وتفكيرك .. فعلاً قد يدلك أحدهم على تصرف وتنفذه ثم تندم لأنه لامثلك لايمثلك تفكيرك وتتمنى لو كنت اوعى على نفسك ورفضت ذلك الحل ..

    ReplyDelete
  3. فعلًا الخلاف والمواساة صار لها ادب وفن 💖💖

    اي صح العنوان فخخخم 😭😭 احب لهجة اهل الجنوب مرره 👌🏽👌🏽

    ReplyDelete
  4. كتبتي بصدق لا يسعني أن أضيف أو أزيد الا أن أشكرك على صدق وحسن ماشاركتينا ياجميلة😘🌷

    ReplyDelete
  5. اتفق معاكي في نقطه عدم البوح بالمشاكلات وحلها بنفسي لاني الوحيده الملمه بتفاصيل حياتي واختلف معاكي في نقطه الفضفضه لانها احيان تكون مريحه وبعدها تقدري تأخدي قرارك بدون مايكون الكلام والشعور مكبوت في قلبك

    ReplyDelete
  6. كلامك عميق جداُ
    كل جزئية أقرأها تذكرني بمواقف اثرت فيني لما افضفص واتبع نصيحة احد بدون قناعة
    شكرا على الكلام الجميل

    ReplyDelete

Top