عقليَّة الشَّك
أحبُّ محاكمة التصوّرات، وأتبنَّى -غالبًا- عقلية الشَّك حتى يثبت عكسه، فإذا ثبت وجدت في اليقينِ الأخيرِ حلاوة؛ لأنه نجى من تهاويل الاحتمالات. ومع أن الشك نفسه قد يتحول إلى انحياز إذا أصبح هدفه الدائم إثبات وجود معنىً خفي وراء كل شيء، فضابطهُ «التفكير النقدي» الذي يعتني بتقييم الأدلة، وفحص الاحتمالات، والاستعداد لتعديل القناعات حين تظهر معلومات جديدة، لأن الشخص المرتاب في كل شيء -عدا استنتاجاته الخاصة- قد يقع في فخٍ آخر من فخاخ التلاعب، بينما الحصانة الحقيقية مناطُها المرونة المعرفية والقدرة على مراجعة الذات وتهذيبها بالحقائق -رغم أنفها وأنف الإيقو-.
هذا فيلم صادفته وأنا أتجوّل بين قوائم أفلام السينما ذات أُمسية، رغبةً في اقتراضِ وقتٍ لنفسي من جيب الأسبوع الحافل، والتي سيستردّها منّي بلا خجل مع مطلع شمس الأحد. كان يكفيني أنه من بطولة «آن» -المعروفة بواقعيةِ أدائها- لأمنحه فرصة المشاهدة. ابتعتُ تذكرتي دون تقليبِ صفحات الويب الحافلة بمقالات النقّاد، ومناشير الذوّيقة، ومع أنها «صدمت عيشتي» -كما نقول بدارجتنا- بفيلمٍ عُرض قبل أشهر عقب «الأويسة»، لعلها جاملتهم بدور البطولة، وابتلت مرارات المشاهدين -أو على الأقل مرارتي-، غير أني قدّمتُ حسن ظنّي وقررتُ خوض التجربة العمياء.
على أيةِ حال، وجدتُ نفسي أخيرًا أمام الشاشة العملاقة مستمتعة بـ «Verity» (أي: الحقيقة)، لأنه يدور حول «كاتبة»، ويرتكز على الجوانب السايكلوجية ودهاليز العقل البشري، وأنا مغرمة بتفكيك دوافع الإنسان، وقراءة الأبعاد النفسية خلف السلوك. انتهى الفيلم بالتنهد عوضًا عن التصفيق، وغادرتُ القاعة محمّلة بمعانٍ أتخفّف منها بين الأسطر القادمة.
خلف دهاليز «السرديّة»
يحملُ الفيلم عدّة طبقات، وتتّسق تفاصيله مع الرسالة الكبرى في السؤال المركزي: «من تُصدِّق؟»، وتتصاعد الأحداث ليخرج السؤال من قبضة «من» لـ «كيف». كيف يمكن التلاعب بالإدراك الإنساني من خلال سلطة العاطفة؟ وكيف تتداخل عاطفة الراوي مع عاطفة المتلقي حتى تصبح الرواية المقنعة أقرب إلى الحقيقة في وعينا، بصرف النظر عن مدى مطابقتها للواقع= وفق معطياتٍ موحّدة -ظاهرًا-.
من هنا فصاعدًا عزيزي القارئ سأعيرك حقيبة تحملها معك خلال رحلتك مفادها: لا يحتاج المتلاعب دائمًا إلى اختراع الأكاذيب، بل قد يعتمد على ترتيب الحقائق بطريقة محكمة ومقنِعة. لا عليك، ستتضح لك الصورة بالتقادم، أعدك.
خيانةٌ مموَّهة بنورِ الحكمة
هنا ستمثل أمام ثنائية الصواب والخطأ، والفضيلة والرذيلة، لكنك في الوقت ذاتهِ -ويا للمفارقة- ستكون مقيَّدًا بأغلال التلاعب حتى وأنت على مقعدِ المشاهد. ستبدأ في تكوين أحكامك الخاصّة حول الشخصيات، ستجد مسوّغًا مصقولًا بعناية خلف كل سلوك -لن أحرق المتعة فاطمئن-، ومع أن الحقائق المنتثرة أمامك عيانًا تقوِّض التبريرات، لكنك ستقرأ المشهد بعينِ البطلة (لوين) حتّى حين. ستفهم متأخرًا بأن التحيّز الإدراكي/المعرفي يظهر كصوتٍ خافتٍ في مؤخرةِ رأسك، يُملي عليكَ ما تعتقد بصوابهِ بصفتهِ «مبررًا أخلاقيًا» -بشكلٍ ما-، ستُسمّيه حدسًا أو ربما تُسبغ عليه سملًا باليًا وتقول بأنه «نور الحكمة» في محاولة فاشلة لاتقاء جريرة الخيانة، ستتبعهُ لأنه متّسق مع سرديّتك التي ترغب في توكيدها، وكان عليكَ أن تمنح نفسك وقتًا لتهضم الحقائق المجرّدة من رغباتك، ومخاوفك، وهزائمك وإن كانت لا تخدم صورتك عن نفسك، أو بدت ضد ما ترغب في تصديقه. وهكذا وباختيارك المعقلَن -كما تظن- تصبح أنت وهم سواء، ثلة من المتلاعبين.
في هذا المنعطف، ستفتح عينك على مفهوم «التلاعب»، والمسألة ليست من يتلاعب بمن، بل كيف ولماذا يحدث التلاعب؟ اختيار مهنة الكتابة على سبيل المثال ليست مصادفة هنا، حدّية زوايا المنزل مدروسة لتربكك، وتوكيد الرواية في مطلع الفيلم من طرفيّ القصّة مقصود، هي تقول لك: «هذه هي الحقيقة» بجملة تناقضاتها، لكن الاختلاف يكمن في تماسك السرديَّة، اتساقها، فجواتها. ثم تجيء الخاتمة المفتوحة؛ وتعجبني هذه الخواتيم لأنها تُسلِّمك قياد القصَّة بحسبِ تأويلاتك= تقول: «حتَّى وإن تقفّيت آثار الحكاية بحثًا عن الحقيقة، فقد تأوُول الأمور لتجعلك تختار روايتك الخاصة، فتخفي ما اكتشفته لتحمي ما افترضته.»
في هذا الفيلم لن يعود المشاهد مجرد متلقٍ للقصة، بل طرفًا مشاركًا في صناعة معناها إذ يمنحها دلالاتها مستعيرًا قلم السينارست بلا إذن منه، وهذا ما سيجعلنا -من بعد- ندوِّن نهايات متباينة بحسب منطلقاتنا وآمالنا .. ومخاوفنا.
تشويشٌ بحبكةٍ كويِّسة
لم يكن التلاعب في «Verity» محض كذبة متقنة، بل بدا لي أقرب إلى القدرة على إعادة بناء الواقع داخل سردية متماسكة= «قصَّة مرتَّبة» ومقنعة بما يكفي لأن يبدو اتّساقها دليلًا كافيًا على مصداقيتها. وبالمناسبة، ينبغي التفريق بين أمرين: صدق الرواية، وقدرتها على الإقناع. فالرواية قد تكون شديدة الإقناع دون أن تكون صحيحة فيقع عليها الاختيار طوعًا، وقد تكون الحقيقة نفسها أقل جاذبية لأنها متشعبة أو غير مكتملة أو عصية على التفسير السريع فتُهمل عُنوة. والمفارقة أننا حين نطمئن إلى تفسيرٍ ما، يبدأ العقل في التعامل معه باعتباره نقطة انطلاق، ثم يعيد ترتيب التفاصيل المحيطة به وفقًا لذلك. فتصبح المعلومة المؤيدة دليلًا، والمعلومة المخالفة استثناءً، والتناقض فرصة لابتكار تبريرٍ منطقيٍ إضافي. ومع تراكم هذه العملية، يتراجع السؤال من: «هل هذا صحيح؟»، لصالح سؤال آخر غير معلن: «كيف يمكنني إثبات أن ما أعتقده صحيح؟»
عمومًا، المتلاعب -كفاك الله شره- لا يحتاج دائمًا إلى اختراع الوقائع، بل إلى «فهم عقل من أمامه» والتحكُّم الهادئ في الإطار الذي تُعرض من خلاله. وهنا تظهر نظرية العقل Theory of Mind والمواءمة المعرفية؛ أي القدرة على إدراك ما يفكر فيه الآخر، وما يخشاه، وما يتمناه، وما الذي سيكون مستعدًا نفسيًا لتصديقه. فحين يفهم الإنسان هذه الخريطة النفسية، يصبح قادرًا على صياغة روايته بطريقة تستهدف «الكيفية» التي سيفسر بها الآخر الأحداث، هو لن يمنحك وقائعًا مكتوبة، بل سيهيئك -متفضلًا- بما ترغب (أنت) بتوكيده وتصديقه، وهي غالبًا أفكار فضفاضة ستقرأها مرارًا في فضاءٍ عام -ريلزات ربما-، لكنها مزركشة لتكون المعني بها هَهُنا، وتشعر بأنه «يفهمك».
هندسة الاستنتاج: لماذا نثق بالحقيقة التي نعتقد أننا اكتشفناها؟
الجدير بالذكر أن الخيال والقدرة على الكتابة يضيفان بعدًا مهمًا لمهارة بناء الحبكة المُحكمة. فمن خلال المحاكاة الذهنية وارتداء عدسة الآخر يمكن تصور أكثر من تفسير للحدث نفسه، وتوقُّع ردود الفعل والاعتراضات المحتملة. فقد يترك الكاتب بعض التفاصيل غامضة، ويمنح بعضها الآخر حضورًا أكبر، ويرتب الأحداث بحيث تقود المتلقي إلى نتيجة تبدو وكأنها استنتاجه الخاص. وهنا تكمن إحدى أخطر صور التلاعب: أن يشعر الإنسان بأنه اكتشف الحقيقة بنفسه، بينما يكون قد وُجّه تدريجيًا نحو تفسيرٍ بعينه عبر مسار ممتد من فتات الخُبز. هذا ما يجعل بعض صور التلاعب أكثر تعقيدًا من الكذب المباشر؛ لأنها لا تهاجم الحقائق بالضرورة، بل تستهدف الآلية الذهنية التي تمنحها معناها.
أما البناء السردي فيساعد على ترتيب الأحداث وربط الأسباب بالنتائج، وضبط ما يُكشف وما يُترك متواريًا بحجاب الغموض الضروري لإبقاء جذوة الفضول، بينما تسمح وجهة النظر الشخصية -وهي تستمد قوتها من منزلة الراوي اجتماعيًا/مهنيًا- بتغيير الطريقة التي يُفهم بها الحدث دون الحاجة إلى تغيير الحدث نفسه. ولهذا فاختيار شخصية ممتهنة لحرفة الكتابة لا يعد عبثيًا؛ فهي تمتلك أدوات لصناعة المعنى، وبوسعها أن تضع لمستها السحريَّة إذ ليست مقيدة بنقل الوقائع بموضوعيّة أكاديمية.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة التأطير Reframing= حيث تبقى الوقائع كما هي، بينما تتغير النوايا والسياقات والعلاقات بينها، فيظهر الماضي نفسه وكأنه يحكي قصة مختلفة تمامًا اللهم لها أجندات نفسية -بوعي أو بدون- تخدم المراد.
حين يتحوَّل العقل من قاضٍ إلى محامٍ
ومع التحيز التأكيدي Confirmation Bias والاستدلال المنطقي -كما يراه صاحبه-، يصبح المتلقي أكثر استعدادًا لإعطاء وزن للمعلومات التي تنسجم مع رغباته أو مخاوفه أو معتقداته وتصوراته السابقة، وأقل انتباهًا لما يهدد الرواية التي يتبناها. هنا لا يعتمد نجاح التلاعب على مهارة المتلاعب وحده، بل على الانحيازات الموجودة أصلًا في عقل من يستمع إليه -بحسب استعداده النفسي-، من هنا يستطيع المتلاعب أن يجعل المتلقي شريكًا في عملية الإقناع، لا مجرد ضحية مستهدَفة، وسيتخفف لاحقًا من حمولة فائضة على متنه= «هذا استنتاجك أنت وليس بالضرورة أن يكون الفتات بضعٌ من خبزي: لغةً وسلوكًا»، وستغرق وحدك حينها في دوامة الملامة.
الخيال بوصفهِ أداة احتيال أحيانًا
قدّمتُ بأنّ؛ السردية المحكمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تتوقع الاعتراضات قبل ظهورها، وتمنح التناقضات تفسيرًا مبررًا، وتترك قدرًا محسوبًا من الغموض يجعل الطرف الآخر يملأ الفراغات بنفسه. وهذه نقطة مهمة نفسيًا؛ لأن الإنسان يميل إلى التعلق بالاستنتاج الذي يشعر أنه قد توصَّل إليه «بنفسه» أكثر من التلقين. وهنا يصبح التلاعب أقل وضوحًا؛ فلا يشعر الشخص أنه مدفوع من الآخر، بل يعتقد أنه اكتشف الحقيقة بمحضِ فطنتهِ وعبقريته= فأضحى بطلاً قوميًا بفضلِ الراوي المتفنّن :)
طيّب هل التماسك السردي يكفي للتصديق؟ الجواب: ليس بالضرورة؛ لأن القصة قد تكون شديدة الاتساق من الداخل ومع ذلك مبنية على افتراض خاطئ، والخيال الخصب يصنع الأعاجيب، إذ بوسعه أن ينتج رواية مترابطة من مقدماتٍ خاطئة، وبمَ أن صحة النتائج إنما تنطلقُ من صحة التصوّرات، فاختلالها ابتداءً موجبٌ لضعف النتيجة منطقيًا بالضرورة لأرباب العقول.
حيلةٌ دفاعيَّة لحماية صورتنا الذاتيَّة
ما أحب لفت النظر إليه هنا، أن المسألة يمكن أن تصبح أكثر تعقيدًا عندما لا تكون إعادة بناء القصة موجهة إلى الآخرين فقط، بل إلى الذات أيضًا. فبوسع التبرير الذاتي أن يمنح الإنسان فرصة تفسير ماضيه ودوافعه بطريقة تحافظ على «صورته عن نفسه» وتخفف الصراع بين ما فعله وبين (ما يريد أن يعتقده عن ذاته) حتى من قبل العناية بصورته الاجتماعية، لأن الذاكرة البشرية -وبالأسى- ليست تسجيلًا حرفيًا ومحايدًا للماضي، بل عملية بنائية يعاد فيها استحضار الأحداث وتأويلها بحسب الحاجة المدركة أو اللاواعية= ولهذا يحدثُ أن نعيد قراءة مواقفنا الماضية بوصفها قرارات عقلانية، مع أن الخوف أو الازدراء الذاتي أو الحسرة أو الحاجة إلى القبول كان لها دور أكبر مما نرغب في الاعتراف به. ولذا فقد تصبح الحدود بين الكذب المتعمَّد وبين الرواية التي أقنع الإنسان نفسه بها أقل وضوحًا مما نتخيَّل، وهذا يدفع لمن فتح الله على قلبه أن يقول: «اللهم اهدِي خلقك»، ويتحصَّن بالفهم، وإعادة قراءة الأحداث مع العقلاء ليصادقوا على ما شكّك به قسرًا.
رقصةٌ على إيقاع الخفقات
ما يثير التأمل في ديناميكية العلاقة بين المتلاعب والمتلاعب به أنها قد لا تقوم على فعلٍ أحادي الاتجاه بقدر ما تنشأ داخل تفاعل نفسي غير متكافئ، أشبه برقصةٍ خفيّة يعرف أحد طرفيها كيف يقود الخطوات، بينما يستجيب الآخر لإيقاعٍ يظنّه صادرًا عن إرادته الحرّة. والمفارقة أن كليهما قد يختبر إحساسًا بالسيطرة، وإن اختلف مصدره؛ فالأول يعتقد أنه يقود الإدراك، والثاني يعتقد أنه يمارس استقلاله المعرفي. غير أن المشاركة النفسية في استكمال الرواية لا تعني تكافؤ المسؤولية عن الخداع؛ فثمة فارق جوهري بين من يستثمر هشاشة الآخر عمدًا، ومن تستجيب حاجاته وانحيازاته الإنسانية لذلك الاستثمار. وهكذا تستمر الرقصة ما دام كل طرف يجد في خطوات الآخر ما يُبقي الإيقاع قائمًا، حتى تأتي اللحظة التي يختل فيها التناسق؛ حين يتوقف المتلقي عن سؤال نفسه: «هل تبدو هذه الرواية مقنعة؟»، ويبدأ بسؤالٍ أشد إزعاجًا: «أيُّ احتياجٍ في داخلي جعلني مستعدًا لتصديقها؟».
ليتَ شعري هذه «الحقيقة» لمن؟
أخيرًا، أذكِّرك تذكير المُحِب بأن بوسع المتلاعب الدرويش أن يغيّر معلومة، أمَّا المتلاعب المحنّك فقد يمارس سلوكًا مدمرًا: لن يغيّر الحقائق أمامك بقدر ما يغيّر الإطار الذي ترى من خلاله تلك الحقائق، ويدفعك "ذاتيًا" للتشكيك في فهمك، وتصديق روايته التي استعطفك لتعيد بناءها معه مواسيًا لهُ مرّة، ولمرارة سرديتك المنسيّة مرَّات؛ فنحنُ يا عزيزي فيما نتشاغلُ بالبحث عن الحقيقة، نفتِّش بين طيّاتها عن المعنى والطمأنينة والاتساق النفسي وعنَّا، وفي هذا التداخل تكمن هشاشتنا الإنسانية.

0 comments:
Post a Comment