مواسمُ الطِّباع

Sunday, January 3, 2021

 واحدة من أبرز معاضل التواصل في مختلف السياقات والأنساق الاجتماعية تنتج من الصورة الضبابية لمفهوم الطباع الأصيلة والسلوكيات الطارئة. جاءتني زميلة قبل مدّة تشكو من مديرها (س)؛ تقول أنّه يتعمّد تجاهل آراءها ولا يرد عليها إن تواصلت معه، في سياقٍ آخر يحادثني أحد محارمي شاكيًا من (ص) أنّه منزعج منها لعدم تجاوبها؛ يقول لا تطلب منّي شيئًا مع علمي بحاجتها، وهذه سيناريوهات دارجة ومكررة جدًا حقيقةً؛ حلّها لا يخرج عن ثلاثة أمورٍ جوهرية برأيي:


١/ ضع بعين الاعتبار أنّ السلوك مناطه إمّا طبيعة في نفس الإنسان جبل عليها؛ كأن يتّسم بالبرود، أو فيه أنَفة، أو يكون سلوكه ناتج عن انفعال طارئ كحالة صحية أو مزاجية، أو هو نتاج تراكمٍ حيالك أنت، أو أنّ المسألة لا تعدو عن كونها اختلاف في ترتيب الأوليات لا غير. هُنا عليكَ أن تتبّع الأمر؛ 


- هل أسأت إليه ليكون سلوكه ردّة فعل؟ إذن حلّ الإشكال القائم بينكما وواجه، أو تجاهل هذه النقطة مادمت تعرف من نفسك أنّك ما تجاوزتَ معه.

- هل هذه صفة لصيقة تظهر بصورة ملازمة في سياقاتٍ متباينة تفصلها مسافات زمنية؟ إذن هي طبيعة والطبائع لا تتغيّر لسواد عينيك وعليك أن تتقبّل "بسعة صدر" أو تنسحب ما دام يعارض قيمك وسلوكياتك ويُغير صدرك عليه.

- هل سلوكه طارئ؛ تجده مخالفًا لطبيعته التي عهدتها وتلمس فيه تبدلًا خارج أُطر هذه المسألة بينكما؟ إذن هو في دنيا غير دنياك فلا تكن ظهيرًا لأكدار دنياه.

- أمّا إن كانت مناط تباين الأولويات؛ فهذا شأن الاختيارات الشخصية والميل القلبي؛ والوُدّ لا يُستجدى .. هكذا بمنتهى البساطة.


٢/ لا تتكلّف ودًّا. لا تدفع شيئًا -أي شيء- على شرط الوفاء؛ الحياة لا تقوم دائمًا على مبدأ المبادلة/والمقايضة =أعطني قمحًا وأُعطك تمرًا! تأكّد؛ ما دمت تبذل لتأخذ فثمّة خلل في مبدأ العطاء عندك، أنتَ فعليًا تحاول ردم فجوةٍ نفسيةٍ فيك، تحاول تعويض نقص؛ كأن تسعى للتقدير والاعتراف مثلًا، وهذه سمة فطرية، لكنّها إن تمادت فينبغي أن تكبح جماحها. بالتالي فإمّا أن تبذل عن طِيب خاطر؛ أو أمسك وامضي في طريقك بهدوء.


٣/ أعظم جُرم تمارسه حيال ذاتك والآخرين أن تعتقد باستحقاقك على الإطلاق، وأنّ الكون يطوف حول مدارك ويشير بإصبعه نحوك من بدّ المعمورة! ثق بأنّ كلّ النّاس يبارزون في معاركهم الخاصة، وبأنّ من يجعل أحدهم محورًا يدور في فلكه يحتاج لإعادة ضبط عاجلة، فإن آمنت يقينًا بذلك خفّ عنك حملك، ورعيت حقّ الإعذار، وطابت لك دنياك.


أخيرًا؛ النّاس ليسوا صورة نفسك وطباعك ومزاجك وظروفك، فقدّم حسن ظنّك حتّى يثبت لك العكس؛ حينها لك حقّ الاختيار بين أن تجاهد أو تضع عنك وزرك، وحتى ذلك الحين؛ لن تُعدم خيرًا ما دمتَ تبذل خيرًا؛ إن لم يكن من هذا الطريق الذي تسلكه، فمن السّماء؛ وذلك أقوم وأدوم وأطيب.

0 comments:

Post a Comment

Top