وثباتٌ وكبوات .. حياةٌ كاملة في عام

Monday, January 1, 2018



في يوم ١٧ من كانون الأول بعامنا الذي نقف على سويعاته الآخيرة اليوم, فتحت مفكرتي الإلكترونيّة المدمجة بهاتفي -كما جرت العادة كلّما لاحت فكرة ما في ذهني وخفت عليها من براثن النسيانودوّنت سطرًا واحدًا قلت فيه:


“لكلٍّ منا زمنٌ ما, يجتازه, لكنّه لا يعودُ من بعده ذات الشخص أبدًا. بالنسبة لي ٢٠١٧ كان عامًا مفصليًا.”

قرّرت أن أستهل تدوينتي هذه بعبارتي السابقة, لاسيما أنّي أؤمن دائمًا أن ما نكتبه بمداد قلوبنا في لحظة تسامينا ووضوح الرؤية -التي غالبًا ماتكون لحظيّة-, قادر على أن يشقّ طريقه لقلوب الآخرين أكثر ممّا تحتمله محاولاتنا المستميتة في رصف الكلمات الرنّانة والعبارات المتكلّفة. على كلٍ, وكما جرت العادة, أحبّ أن أكتب تدوينة أغرف بها شعوري غرفًا لعلمي أننا بالمشاركة نتخفّف من أعبائنا فضلًا عن كوننا -أحيانًا- ننفث عن الأرواح القابعة في الظلّ شيئًا مما غارت به صدورهم, لا سيما أننا كجنسٍ بشريّ نشترك في التجربة الإنسانية وإن تناءت الأقطار التي نقف عليها وننتسب إليها ونحملها فينا. فاقرأوني ببصائركم قبل أبصاركم

أعود لنفس هذه اللحظة قبل عام, حين كنت في منتصف تجربة شعورية جديدة كليًا على مستواي الشخصي, سعيدة بإنجازاتي السابقة, معترفة بالفضل لمعترك الحياة التي قاتلت فيه بضراوة وخرجت منها بروح أكثر حدّة ظاهريًا وأكثر مرونة داخليًا, والأهم (مشبعة بالحبّ والأمل), وشرفات صدري مشرّعة على مصراعيها وكأنّها دار ريفية هّيّئت كمضافة لعابري السبيل, مزدانة برائحة القهوة العربية الأصيلة والطٍّيب, مّقبلةٌ على الحياةِ غير مًدبرة

مالبثت أتقلّب بين الكفّتين متزيّنة بحلية التصبّر والأمل, حتّى طفقت تتفاقم المفترقات المقدّرة, وكلّما آنست نورًا انطفأ, فإذ بي أفيق -في مرحلةٍ ما- على حقيقة أني بتُّ جاهزة لكل شيء, خالية الوفاض من أي تطرّف شعوري, أو ربّما أشبه ما أكون بجسد خواء إلّا من الشكر لمهيئ الأسباب بحكمته -التي أقف متقازمة حيالها لجهلي وعجلي إذ (خلق الإنسان من عجل)-. هذه سُنّة الحياة, نعم بلا أدنى شك, لكنّ طاقتنا الإستيعابية تتّسع وتضيق بقدر التراكم, وقدر المقاومة عكس التيّار الجارف. وهنا أودّ الإشارة إلى نقطة مهمّة للغاية: أنه لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تُعظّم قيمة الشيء حتّى تنال قسمةً من نقيضه, وهذا حالنا مع الأضداد كلّها, بين التعاسة والسعادة, بين السخط والرضا, بين الخمول والسعي, بين النأي والوصل .. وبين الحبّ والألم. لا تعجب من إبتدائي بالألفاظ السوداويّة, إذ أني شخصيًا أرى العسر مفتاح اليسر وأؤمن يقينًا بأنه وإن استطال البلاء فلن يهزم عسرٌ يسريين (فإنّ مع العسر يسرًا*إن مع العسرِ يسرًا).

أقول وصلت لقاع حزني, ونجوت مراتٍ -بلطف الله- بما فضّلني الله به عن العالمين من قرّة أعين, إخوة وأصدقاء وأحباب .. وتجارب, أتوكأ عليهم كلّما كلّ متني. ولست ناقمة بالمناسبة على عامي المرتحل, إنّما أذكر فضله عليّ -عسرًا ويسرًا- على سبيل العظة لنعلم أننا خلقنا من طين, نجفّ ويحيينا الودق -برحمة الله وتدبيره-. فلا تأسوا على مافاتكم واستلذُّوا ركوب الخطر حتّى تألفوه ويألفكم, وتغدو أرواحكم أكثر مرونة لتحمّل نوائب الدّهر بهذا اليقين الذي يستقرّ بين أضلعكم بأنّ المستراح تحت شجرة طوبى, أما دارنا هذه فدار إمتحان وتهيئة.

أمّا كبواتي فمنها ما نشأ ملء إرادتي وأنا ممتنّة للتجربة التي ساهمت في نضوجي, ومنها ما جاء على هيئة إبتلاء وأنا شاكرة وحامدة للمتفضّل عليّ من قبل ومن بعد, ولو أني كنت مخيّرة لما وجدت خيرًا ممّا كتبه الله لي.

  • إبتليت -والحمدلله دائمًا- بمتلازمة باغتتني على حين غرّة تدعى (متلازمة الدوار الموضعي الحركي الحميد) والتي تتمثّل في فقدان التوازن والدوار الشديد من الحركة الذاتية, وإنزعاج شديد من الإضاءة المرتفعة وحركة الأجسام الأخرى. وهي بالمناسبة أمر عارض تأتي على هيئة نوبات متباعدة ولله الحمد (إنتباتني مرتين بنهاية ٢٠١٦ ثمّ ثلاث مرات خلال ٢٠١٧ وآخر مرّة كانت أشدّها), لكنّها تأخذ فترة (بمقدار شهر لشهرين) حتّى أستعيد عافيتي تمامًا وأعود لممارسة حياتي الطبيعية. عمومًا, ليس للنوبات سبب واضح حتّى الآن, لكنّها بدأت تنتشر بين النّاس مؤخرًا -جنّبكم الله وأحبابكم كل سوء- حيث أخبرني طبيبي (إستشاري التوازن) بأنه قبل عدة أعوام كانت العيادة لا تستقبل إلا حالة تقريبًا كل شهر, بينما الآن وصلت لقرابة العشر حالات باليوم الواحد! .. عمومًا مايحدث -في حالتي أنا- هو تحرّك لجزيئات متناهية الصغر تسمّى (بلورات كرستالية) بالأذن الداخلية بطريقة ما (حركة سريعة أو ضربة قويّة على منطقة الرأس) يختل على إثرها نظام التوازن بالجسم! سبحان الله ما أضعف الإنسان!! .. والجدير بالذكر أني لم أتلقى أي ضربة طيلة حياتي الحمدلله, وليس من طبيعتي أن أنفعل بحركة مفاجئة أبدًا لكن إرادة الله فوق كل إرادة

أشدّ ما كان يؤلمني, ليس النوبة نفسها, إنّما توابعها, لاسيما أني شخصية منطلقة جدًا ومغامرة, وبصراحة يقتلها التقييد, حرفيًا. كانت النوبات نوع من القيود التي تحدّ من حركتي مكرهه, علمًا بأني عنيده وأقاوم, لكنّها مع هذا أعند منّي والحمدلله دائمًا. كنت أنهار داخليًا, وأسمع دويّ تحطّم نفسي في نفسي, لكنّي أواجه العالم بالضحك .. وهي آلية فطرية بي بالمناسبة, يكثر ضحكي إذا كان وقع المصاب عليّ جلل كنوع من المقاومة والتنفيس. الجدير بالذكر أني في ظل هذا القيد إكتشفت ذاتي -برحمة الله وفضله- إذ أن عريشة الياسمين نشأت في أوج النوبة الأولى, وكنت أكتب تدويناتي على فترات متقطّعة بسبب رأرأة عيني أثناء النوبة وعدم قدرتي على التركيز. ثمّ في منتصف النوبة الثانية رسمت أول عين بشرية واقعية وكانت لأكثر عين أحببتها في جملة حياتي .. والأمر هنا يقتسم مناصفةً بين النوبة ومن خَلف الشرارة الأولى إذ منهما إبتدأ مشواري الفنّي.

  • كسرني نفوق قطّتي بعد عشرة عمر تجاوزت الـ١٢ عامًا ونيف, احتلّت فيها مكانة عظيمة في نفسي, حتّى بتّ أستعيد عافيتي برؤيتها والله وكأن طبّي وطبيبي -بعد رحمة ربّي-. أتذكّر يوم اختياري لها من بين إخوتها, وهي بعمر الـ٤-٦ أشهر, أخذناها للمنزل, وبدأت تصول وتجول بفضولها الفطري الذي يمتاز به أبناء جلدتها, ورحت أنا بدوري أنشغل بمهامي في حجرتي, أتذكر وضعي حينها, على الأرض أتناول وجبتي وأشاهد فيلمًا أجنبي بحماسة المراهقة آنذاك, متخففة من كل الإلتزامات, حتّى من قطّتي التي تقضي يومها الأول في منزلي. فجأة, دلفت حضرتها تمشي الهوينا -ومشيتها جزء من شخصيتها الأنثوية والمغرورة كونها شيرازية الأصل- وإذ بها تترك المنزل بما رحب وأهل المنزل وتختار أن تتوسّد حجري في دعة وتغفو وهي تنظر إلي نظرة حانية يكاد يذوب لها قلبي -وبقيت معها نظرتها لي تلك حتّى آخر نفس-. هذا الموقف كان شرارة الإرتباط الوثيق بيني وبينها, ثم توالت المواقف, حيث كنت أجدها نائمة على شعري تارة, وفي حضني تارة, وعلى قدمي تارة أخرى لا تفارقني, لاسيما أثناء شدّة المطر, وحال حزني أو مرضي! كانت أمي تنهرها, ومايزيدها ذلك إلا عنادًا! .. أتذكر كيف تعاقبني إذا شعرت بالغيرة, أو جرحت كبريائها -أكتب هذا الجزء وفي عيني ماء يعاند إبتسامتي العريضة- حيث كانت تشيح بوجهها عنّي وتنظر للحائط دون اكتراث, متجاهلة محاولتي لاستدراجها بألفاظ التودد المختلطة بصوت الضحك الناجم من تصرفاتها المجنونة. فما تلبث تلين وتعود إليّ كما عهدتها. كانت تأخذ كثيرًا من أطباعي, عنيدة, قويّة, غيورة, عزيزة نفس, لكن حنونة ووفيّة. أتذكر بآخر موقف جمعني بها قبل نفوقها, في نوبتي الأخيرة, كانت معتادة على النّوم داخل خزانة والدي الذي هيّآه لها -مأجور مشكور-, واضطررت يومها أن أنام في حجرة أهلي نظرًا لشدة النوبة, فإذ بقطّتي تخرج من جحرها -لأول مرّة منذ أشهر- وتأتي لتنام بجانب رأسي, وتمدّ طرفها المكسوّ بالفراء الرمادي الكثيف حتّى يلامس ذراعي, تنظر إلي بنظرتها تلك, وتطيل النظر .. وصوت أمي الناهر يخالط وقع ضحكاتي فيغلبه لتصرفها الغريب, والذي يبدو أنه كان حميميّ ووداعي ولم أنتبه لطول الأمل. نفقت بين يديّ وتيبّس بدنها, وتفتّت قلبي .. ودفنتها بيدي, وجزء منّي معها.

  • عدت ووقفت من جديد والحمدلله, فإذ بأوجاع أحبابي تهزمني, مابين فقد ومرض وهمّ, كنت -ولازلت- أحمل همّهم وكأنهم نفسي التي بين جنبيّ, وهذا حالي مع كلّ من يحتل جزء عظيم منّي وإن قلّوا. 

  • أعود لشهر آب من عامنا المرتحل, وأتذكر خاتمة تدوينتي السابقة وإشارتي أني ولدت فيه من جديد, ومازلت أحتفي بتلك الولادة وأحبّها, لكنّي لو صحّ لي التمثيل, لقلت أني ولدت فيه نعم, لكنّي هرمت في كانون الثاني وكل الذي يفصلهما أشهر في زمنكم, وأعوامًا وسنينًا وروح في تقديري

  • وفي هذا العام أيَضًا إخترت أن أنحاز لعقلي وكلّفني الأمر قلبي. المصاب عظيم استشعرت فيه كيف يمكن أن يصبح الفؤاد فارغًا (وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا), لكنّه تهذيب بالطريقة الأمرّ لتعرف أن لـ(لا) إستخدامها أيضًا متى ما كانت الـ(نّعم) إبرة مخدّرة ومسكّنه .. لعلها موتٌ بطيئ -وهي كذلك فعلًا-, لكنها -لعمري- إنتصار لعزّة نفسك، وعفّة قلبك, لصدقك, وتقديرك لنفسك المقترن بتقديرك لما تعدّه بضع منك .. والله يحبّ المحسنين.
"إذا التبس عليك شيء فانظر أثقلهما على النّفس فاتبعه, فإنّه لا يثقل عليها إلا ما كان حقًّا."

أمّا وثباتي فكانت:

  • هذا المغتسل البارد على قلبي, والمتنفّس الذي أبثكم فيه شيئًا من روحي (عريشة الياسمين).

  • علاقاتي الممتدّة بين الجهات الأربعة, والتي بات جزء منها داره قلبي لا الأرض, أنا التي ماعادت تعبأ بالكميّة, بل تغريها الكيفية والإثراء. مكتفية تمامًا على صعيد العلاقات الحميميّة القريبة, ومتّسعة للمعارف العفوية بهيئتها البسيطة التي لا تقيّدك بإلتزامات يقصر معها عمرك وتعطب معها روحك! .. ممتنة لكل من رُزقت حبّهم ورزقهم الله ودّي.

  • تجاربي الجديدة كليًا, الندوات الجميلة وورش العمل الماتعة والأمسيات المثرية التي أقحمت نفسي فيها, وسعيت لها, بدءًا من مركز سيدانة الثقافي بجدة, حتّى مجتمع رقي بالمنطقة الشرقيّة. -بالمناسبة, لم أنسى وعدي بتدوين تجربتي مع هيفاء القحطاني لكنّي أرجأتها لظروف سفري مؤخرًا-.

  • ممتنّة لفرصتي على السفر والإكتشاف والتجربة. كل رحلة أعطتني ضعف ما أخذت منّي, ونضجت معها أكثر.

  • ممتنّة لكل لوحة كانت وعاءًا لفكري وروحي وشعوري.

  • سعيدة جدًا بإنجازي الثقافي هذا العام, مابين (صناعة المحاور) و(مساق) وحتّى تجربة القراءة الثنائية مع روح ألفتها وألفتني وصادفت فيها جوهر نفسي, إذ لم أتصور من قبلها مجرّد تصوّر أن أتلذذ بالمشاركة لهذا الحدّ, على الرغم من خلافاتنا الدائمة على الموعد, وتأجيلنا, واللإقتصاص منّا بزيادة عدد الصفحات, ثم الوعود المخلفة, فالإنجازات, والمشاركة القريبة جدًا عبر الأثير, فاللقاء والنقاش حول ما قرأنا, والتشابه والتباين بين وجهات النظر, والصدف اللطيفة التي تعطي للتجربة بعدًا آخر. ممتنّة والله كما لم أمتن لأحد من قبل, ومن بعد

  • سعيدة بالكتب التي أنهيتها ولم أحصي عددها حتّى الآن, وسعيدة بالقوائم المتراكمة ورغبتي في كسر رقم قياسي هذا العام بإذن الله -أكتب جملتي هذه وأنا أحدّق برزم الكتب الملقاه في كل جانب, حتّى أن مكتبتي لم تعد تكفيها- الحمدلله دائمًا, وأعد نفسي ألا أبتاع أي كتاب حتّى أنهي مالديّ -آمل أن أفي بوعدي- :)

ختامًا, وبشكل مقتضب جدًا لأنشر تدوينتي هذه بمطلع العام الجديد حيث تشير ساعتي إلى ١٢والربع  بعد منتصف الليل الذي يصادف يوم (الأثنين) كيومٍ أحبّه, أقول:

كلّ هذا الزّخم من وثبات وكبوات, مدّني ببصيرة أشدّ حدّة لما أودّ أن أكونه في قابل الأيام.

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا 

غفر الله لي ولكم.
استودع الله آلامنا وآمالنا.

والسلامُ عليك, وعليهم, وعلينا.

ثلاثون عامًا على نارٍ هادئة

Wednesday, August 16, 2017


اعتدت ومن عمرٍ مبكرٍ أن أنسجم مع من يفوقني علمًا وعمرًا, ولم أسعى لذلك حقيقةً إنّما كان مُقدّرًا لي, ما جعلني أشعر بغربة شعورية بين أقراني, وإن بدى منّي ما يخالف ذلك غير أنّي كنت أشعر أني تائهة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء, بإستطاعتي أن أتشكّل وفق ما يلائم محيطي, لكن بلا شعور حقيقي بالإنتماء!

 لم أذب كفاية في محيطٍ ما بالشكل الذي أرى النّاس يتباهون به من حولي, لم أعجب قطّ بأهل الفن على سبيل المثال, وهو الدّارج جدًا في عمرنا, كنت حينها لاهية بين مؤلفات الطنطاوي وأسافر مع أنيس منصور في رحلته حول العالم, أو تجدني متطوّعة في نادٍ صيفي أعمل بين منسقات البرامج الخاصة بمن هم أصغر منّا عمرًا .. عفوًا, منهم :) .. منشغلة دائمًا, حرّة دائمًا, ومع كل هذا الإتزان الجليّ, لا تنفك تراني أتقافز بين الحصص الدراسية تمللًا من حصص الكيمياء, لا ينقذني من أسواط ألسن المعلمات الناقمات إلا براءة ملامحي ولساني المعسول, فلا يمكن أبدًا أن يُشَك بالطالبة النجيبة المثالية, بل وتطلب منّي معلمة الصف أن أرصد تحركات المشاغبات بصفنا, وأستجيب مضطرة, حتّى إذا ما رنّ الجرس معلنًا إنتهاء الحصّة  تجدني أتخلّص من ورقة الأسماء بإبتسامة عريضة أطالب فيها بالعفو عن رفيقاتي, وتنصاع المعلمة الحنونة متوعدتني إن تكرر الأمر فأنا المسؤولة, وطبعًا دلال رقبتها سدّادة.

لم أكن هادئة أبدًا, ولم أكن منطوية, وبالمقابل لم أتطرّف بشقاوتي كما يفعل الجميع من حولي -على أقل تقدير-, كنت دائمًا صاحبة المعايير المرتفعة, التي تفصل بين الجد والهزل, ماجعلها حاضرة بين النّاس جدًا, لكنها غائبة داخل نفسها.

كانت أمّي تأكّد لي دائمًا أنّها ميزة إضافية, "غًربتك تنفعك" لاسيما حين تراني ألوذ بين دفتيّ كتبي في الوقت الذي كان لقاء الصديقات منفدًا للتنفيس عن ضغوطات الحياة لمن هم في عمري الواقعي.

لأصدقكم القول,كانت عبارة كـ (ماشاءالله دلال أنتِ أكبر من عمرك) كفيلة بتدفق هرمون السيروتونين في مرحلة مبكرة, كنت أشعر بالفرادة بشكلٍ ما, لكن ومع تقدّمي بالعمر والتجربة بدأت أدرك جماليّة كل مرحلة! لا أحب أن أبدو أصغر مظهرًا وأكبر ذهنيًا, أحب أن أبقى تمامًا في مرحلتي الواقعية الحالية, في كل تصرف عفوي, وكل "مصيبة سودا" وكل إنجاز.

الأهم أني آمنت -مبكرًا- وبشكل يقيني بأن عمرك بما عشته, بما منحك الله من نعم على هيئة تجارب بشقّيها المنير والحالك, وأنك وإن لم تعمّر في الأرض وبين العباد فلا ينقص ذلك أو يزيد من قيمة العضويين الذي يستقران فيك .. ذهنك وقلبك.

مذ استقر هذا المعنى في نفسي, وبدأت أحب كل مراحلي, بدأت تتزيّن في عيني صورة المرحلة الثلاثينية تحديدًا, أشعر أنها مرحلة الإستقرار النفسي والسلام الداخلي, المرحلة الفاصلة بين الإندفاع والنضج لاسيما حين أقف على سير العظماء عبر التاريخ, بدأ يغريني هذا الألق, وأتشوّق أكثر لهذه المرحلة! .. كانت رغبتي نتاج فضولي بصراحة, أودّ أن أرى ما تصنع فيّ, كيف تغيّرني الأيام حتّى أبلغها, كان شوقي إليها غريب, لاسيما وأنا ابنة الثمانينات, هذا الجيل الحافل بالتغييرات الهائلة على جميع المستويات, كنت أترقب, مالجديد الذي سيُضاف إلى سلسلة التقلّبات التي مررت بها. 

واليوم وبعد مرور ١٢ يومًا على الثالث عشر من ذي القعدة أقول مرحبًا باللحظة التي أقبلت عليّ خفيفة أكاد لا أشعر بها, مرحبًا بالثلاثين الأولى من عمري المتقلب بين الجنون والإتزان! وعليه, فقد خطر لي أن أحتفظ بشيء مما أظنني تعلمته وأكسبتنيه الأيام والتجربة مع يقيني التّام أني ما بلغت معشار ما تفيض به الدنيا.

عمومًا أودع ملاحظاتي هنا لعلّي أعود في قابل الأيام -إن شاء لي ربّي- وأتلمّس تحوّلاتي بعينٍ محبّةٍ ناقدة على سبيل الملاحظة أو لربما تكون حلقة وصل هلاميّة بين وبين قرّاء سطوري المتناقضة بشكل طبيعي خالٍ من مباضع التحسين التي تطال النصوص. هذا نصٌ عفويّ جدًا كتبته على هيئة ملاحظات قصيرة متفرقة استقرّت في ذاكرة جهازي المحمول, وصفحات مفكّرتي.


عصارة جاءت في معنى النضوج

العلاقات الإجتماعية

- ما عدت أكترث بإمتداد علاقاتي الإجتماعية, ولست مهتمة مطلقًا بعدد العلاقات التي أدرجها تحت مسمّى (الصداقة), ولا أبذل جهدًا في تحصيلها, أو كسب التأييد الكامل. وهذا لا يتنافى مطلقًا مع كوني إجتماعية, إنّما تعاملي مع النّاس مبنيّ على التخفف, لا إرتباط مرهق, ولا تعلّق مؤذي. خفّة شعورية للطرفين مع إبقاء جذوة التواد رهنًا بما تحمله الأيام.

"كن بين بين, لا قريبًا من أحد ولا بعيدًا من أحد" - محمود درويش

- لا أذكر أني سألت شخصًا عن عمره في بداية معرفتي به, لا أؤمن أبدًا بما تحمله سجلّات الولادة, ولكن قدرك في عيني بقدر نور الوعي والمعرفة الي يسطع منك ويلهيني عن تاريخ ميلادك. 

- كل الذين اتخذتهم قدوات في مسيرة حياتي, جرّدتهم بشريتهم من هذه الهالة التي سحرتني في مرحلة كنت أجدني أصغر من أن أبلغها, حتّى أيقنت أن لا قدوة كاملة أتتبع خطاها, بل أحب أن أتبنّى الأفكار التي تجعلهم فريدين بعدما أعرضها على قدراتي الشخصية ومبادئي. تحررت من فكرة الإقتداء التام إلى قناعة البناء والتطوير. والأهم من كل هذا أن الصورة باتت أكثر جمال بعد التخلص من المرشحات المثالية .. نقصنا البشري يقلّصنا دائما, ويتعاظم فينا اليقين بأن ثمّة كمالٌ غير متاح على الأرض, ونور سماويّ يجعلنا جميعا سواسية, قابلين للمنافسة.

- تعلمت أن أكون أكثر انسجامًا مع محيطي الخارجي, وعلى امتداد الخرائط الجغرافية. ولعل أجمل ما اكتسبته في حياتي أن لي أسرة أنتمي إليها في كل الجهات الأربع, وكل الأرض لي موطن.

- تخففت كثيرًا من مسألة التنازع والتنافر, وبت في سلام داخلي وتصالح ذاتيّ مذ أيقنت أن مآل الأمور كلها إلى خير. أعاتب لمامًا لكن دون تطرّف, وأتناسى حتّى أنسى. الحياة أقصر بكثير من أن نحياها على منطقة رماديّة باهتة.

- بالمقابل, أدركت أن ماحاك في صدرك أمر نحو شخص عزيز فبادر وكفّ أذاك عنك وسوء ظنّك به, اجتثّ الوهم باليقين تسلم. وتجاوز بالمزاحمة.

- في هذه المرحلة يرتفع منسوب تقديرك لأسرتك, عكّازك في هذه الحياة ومستراحك. بدأت أهتم جدًّا في مفهوم العلاقات العائلية ومدى أثرها على المدى البعيد, حتّى أني وضعت أهم معاييري في الإرتباط أن يكون شريكي ناشيء في أسرة مترابطة تُحسن تقدير أفرادها وتهمني جدًا علاقة شريكي بأهل بيته وعلاقتهم به. وفي هذا السياق آمنت تمامًا ويقينًا أنّ  معيار احترام وتقدير الرجل للمرأة يبدأ من طبيعة علاقته بأوّل امرأة في حياته, والأمر سيان مع الأنثى ووالدها.

- تقلّصت رغبتي في الإنتصار لنفسي, خاصةً في المعارك التي لا يُفضي الإنتصار فيها لمعنىً حقيقي غير أنك ترفع من تقديرك الذاتي. ماعاد يغريني مطلقًا أن أكون على حقّ. أنا على قيد التعلّم والتصويب ما دمت أتنفس. لهذا فقط لا أعاني من أي حالة تحسس من الإقرار بالخطأ إن صدر منّي, بل وأراها في منتهى القوّة, لا شيء يضاهي إنتصارك على نفسك وهواك وكبريائك.

- تعلّمت أن أنفق من خير ما أملك, وكل شعور إيجابيّ أبثّه أنا أولى به قبل الآخرين, لامعبر حقيقي لأفئدة النّاس إلا الواقعيّة, ولا يملك الفرد أن يغرف من إناء فارغ.

- كل الذين عبرتهم أخذت منهم جزءًا يُرمّم بي ما وهبته لسواهم طوعًا أو كرهًا.

- لا أسلّم عقلي لأحد, ولا أنساق وراء فكرة, ولا أطيع -غير الله- طاعة عمياء لا أرد فيه الأمر لمرجعيّتي العقيدية الشرعية كتاب الله وسنّة نبيه. حرّة فكريًا إلّا من ضوابط ربّانية.

"الدين حرية القيد, لا حرّية الحرّية" - الرافعي
- لا شيء يثقل الكاهل كمراقبة الآخرين! هذه النزعة البشرية إهدار للحياة, لهذا فقط أحبّ أن أقضي وقتي في منافسة ذاتيّة ترفع من معدّل الرضى الداخلي أولًا ثمّ تمهد لي طريقًا خامّا للنجاح.

- في المرحلة التي أشعر معها أنّي خاملة ومنطفئة, فهذه إشارة ضمنية تّنبيء بجفاف معرفيّ ووجدانيّ! فأتوقف عن مزاولة كل شيء منجز بشكل عشوائي غير جاد, وأجدد محيطي .. والله أنه له أثر نفسي مذهل.

- أكثر ما وجدته يرفع من مستوى جاذبيتك, حبّك وتقديرك لنفسك! والله انك لتعجب من تحلّق الناس حولك بكل هذا النقص والعاديّة التي تنتسب إليها.

- أن تكون أنت, بكل حماقاتك وعقلانيتك وتتمسّك بهذه الإزدواجية المضحكة أمرٌ عظيم والله, لاسيما في عالم متكلّف متصنّع, وصدقأ هذا التناقض جميل خفيف وأحبّه. أحبّ أنه لا يمكن التنبؤ بحالتي هههه .. متكيّفة مع حقيقة أن كل مثاليّ لا يدوم في بيئة جُبلت على النقص, لا تقتات على روحك طمعًا فيما ليس من ديدنك وأصلك.

- تعلمت ألّا أندفع عاطفيًا, أعطي الأمور وقتها, مقياسي فيها سلسلة الإنفعالات العفوية بعد طول المخافتة ومكاشفة, حتّى تنضج التجربة.

"ما دخل عسيرًا, لم يخرج يسيرًا وهذا مذهبي" - ابن حزم الأندلسي
- التنازل رفعه إن أحسنّا التوقيت وامنّا العواقب. لا أتصوّر الحياة مطلقًا بتقدير ذاتي منخفض جاء بغية التمسك بكبريائي, وخزات الضمير أشد ايلامًا مما يحتمل السويّ.

- متصالحة مع حقيقة أن كل اللحظات المدهشة التي ظننّا أن لم يسبقنا إليها أحد في العالمين محض وهم, لاشيء جديد بشكل خالص فوق هذه الأرض, وكل حالة وجدانية ومعرفية نمر بها قد عمّرت في الأرض من قبل أن نعمّرها ولو على هيئة أولية بسيطة, فلا داع للإغترار والإنجراف, بل ينبغي علينا أن نجاري حركة الكون, نتشارك المعارف دون أن نسيء لدهشة من حولنا, يكفي أنهم بلغوا هذه اللذة المتوارثة.


- لا أتفق أبدًا مع من يقول بأننا محصنين ضد الكلمات, بشريتنا تحتّم علينا التأثّر بما يقال, وعينا أو لم نعي. لذلك فاتّق الله في فلتات لسانك.

- كل ما تودعه في خزينة النّاس من خير أو شر, هو تمامًا ما تترقّبه في قابل أيامك, فانظر ما أنت صانع, تعرف ما أنت ملاقي.


نفسي التي بين جنبيّ

- اختلافات جذرية طالت ذائقتي على امتداد السنوات والتجارب, ابتداءًا من الأطعمة والنكهات, حتّى الآراء والقيم, وبهذا فقط أعرف أنّي حيّة.

- يرتفع منسوب المرونة والإستقلالية مع الزمن بشكل هائل, حتّى يبلغ أوجه في هذا العمر الجميل بشكل فطري لا ناقة لك فيه ولا جمل.

- وجدت أني أكثر تصالح مع نفسي, ووعيّ بإحتياجاتي الفطرية, والنفسية, والمعرفية, والوجدانية, إذ أني بلغت مني القاع حتّى ألفت عالمي الداخلي وانسجمت معه.

- الحكمة لا تُلقّن, الحكمة توهب من ربّ العالمين متى ما فتح الله عليك فاسأل الله من فضله لأنك في حاجة ملحة لهذا الكرم الإلهي في مسيرة حياتك. 

- زهدني الزمان بكل ماديّ, ورفع من تقديري وشغفي بكل معنويّ.

- قل مستوى الإندفاع الساذج, وحل محلّه تأنٍ واعٍ وصبر جميل.

- توسّعت نظرتي للأمور ودوافعها ما أعطاني مساحة أكبر للحكم المنطقي المحايد ما أمكن.

- تعلمت أن كل شيء قابل للإستعاضة, إلا شغفك, ذلك المحرك الذي يدفعك للوقوف من جديد عقب كل إنتكاسة.

- إفتقارك لله -العظيم الجبّار- غنى على جميع الأصعدة.

- طفولة القلب وهذا العبث اللذيذ أمرٌ عظيم, إياك أن تساوم على إنسانيتك.

- تُعرّينا الشدائد أمام أنفسنا, لاسيما المرض, إذ تدرك معه ضيق الطريق وندرة الرفيق, لا يبقى فيه معك إلا إيمانك وحسن ظنّك.

- تكوّنت عندي قناعة أن مابينك وبين الله لا يُذاع, وإن راودتك نفسك, فاخرج عن دائرة الضوء, وتقازم ما أمكن, لئلا تصبك آفة الرضا, أو يجد الرياء مدخلًا إليك وأنت الفقير إلى عفو ربّك وإن بذلت.

- كن صاحب قضيّة بتثبيت يقينك فيها أولًا! لا تدخل النزال دون عتاد, وأوله عقلك الحرّ المؤمن.

- لو أن لي أن أمرر نصيحة لكل العقول حولي لما وجدى أثمن من أن تقضي عمرك مابين التجربة والعلم, ادخل إليهما من أيّ الأبواب كانت, ولو حبوًا.

- آمنت أني بالقراءة فقط أنفد إلى عقول النّاس, حياتهم, تجاربهم, دون الحاجة إلى الإستئذان, والساذج منّا من يتواضع أمام الأبواب المشرّعة طواعيةً ويتجاوزها.

- عقلك وقلبك منسجمان بالغالب, يشد بعضهم بعضا, مالم تكن أنت القضية العظمى ,, حينها فالسعادة كل السعادة لو اجتمعا ,, كان الله في عونك.

- أنت اليوم نتاج كل الجهد الذي بذلته والمعرفة التي استثمرتها فيك والبشر الذي خالطتهم ,, فانتقي مصادرك وأحسن لنفسك وللعالم من حولك.

- أخيرًا .. وبعد كل الأيام المهدرة على اللاشيء, وكل الأيام العامرة بكل شيء, تدرك مدى أهمية العزلة, تلك الفسحة الروحية فيك, التي تعيد ترتيبك من جديد لتبدأ بقوّة.


مجمل هذه الوقفات كانت ضمن حوار مباشر مع شخصيات عرفتها بالفترة الماضية, فتح الحديث معهم نوافذًا على روحي من حيث لا أحتسب, عبر أحاديث بدت عفوية جدًا لكنّها أعادت تشكيل مفهومي للأشياء, فعليهم من ربِّ السلام.

تجدر الإشارة إلى أنّي لم أحبّذ الكتابة بصيغة الأمر (إفعل ولا تفعل) إذ لست مخوّلة للبت في هذا الأمر وأنا التي مازلت أسقط وأعاود الوقوف بخطوات خجلى, ولا أرمي بحديثي عن نفسي إلزامها مناقب الحكماء الذين عرّكتهم الحياة وحولتهم لفلاسفة زمانهم وكأنّما لم يعش على الأرض سواهم ولا يخبر الحياة إلّاهم! ما نفثته هنا إنّما جزء من روحي في زمن ما رغبة -كما أسلفت- في لمس التغييرات التي تطرأ عليّ مع تقدّمي بالتجربة, ولعلها تفتح مع أحدكم بابًا للحوار المثري يومًا ما.

شكرًا على كرم المطالعة.

ختامًا, قررت أن أنشر مدونتي هذه بالسادس عشر من آب كونه يوم مميز جدًا بالنسبة لي! ولو كان لنا من الأيام ما نقول فيه أنّا ولدنا به من جديد, لقلت أنّه اليوم ولا ريب ,, الحمدلله على واسع كرمه ولطفه ورحمته دائمًا.

تصبحون على أيام نضرة, وأعوام حافلة بالتغييرات الإيجابية.

Top